تحليل نص أدبي

نبيهة عمر
مقالة
هذا النص هو عبارة عن إصلاح فرض في تحليل نص أدبي موجّه إلى تلاميذ الثانية آداب المحور الشعر الجاهلي  و  النص لعنترة بن شداد تنويه:أرجو من كل من يرغب في اعتماد هذا النص أن ينسبه لصاحبته الاستاذة نبيهة عمر إحقاقا للحق و تقديرا لمجهودها وشكرا. ♤♤♤♤♤♤♤ الأدب مأساة أو لا يكون، هكذا حدّث أديبنا "محمود المسعدي" وهكذا كان  الشعر و لا يزال  في سجال مستمر مع بيئة تسبغ عليه من  مزاجها و تجربة تأبى إلّا أن تخيّم بظلالها والنص على هذا جزء من قصيدة فخرية جرت على تفعيلات البحر الطويل وروي الميم لعنترة بن شداد الشاعر العبسي الذي حضر حرب "داحس والغبراء" وقد خلّد في هذا النص صولة من صولاتها إذ لم يحقق رواة الأخبار وكتّاب التراجم كالمسعودي والاصفهاني والطبري وغيرهم  أنّ عنترة خاض مع قومه حربا ضد العجم من فرس أو روم  كما أشار في مطلع  القصيدة و ربما كان ذلك من باب المبالغة الشعرية. والخطاب في ظاهره موجه إلى "عبلة" ابنة عمه أما باطنا فرسالة مشفرة يروم بها قومه ممّن ناصبوه العداء.  و لعل ذلك ما جعل النص  يراوح بين الأسلوب الفخري والأسلوب الوجداني الغنائي و يتوشح بطابع حماسي ملحمي  فيصف الشاعر ساحة الحرب ويخلد صورة المحارب المقدام   و يباهي عنترة بشجاعته محاولا إقناع عبلة بذلك، متجاوزا حدود المحنة الذاتية منفتحا على توق الإنسان إلى المجد والحرية.  فكيف جمع النص بين الإخبار  والتصوير وكيف نهض الاسلوبان معا لبناء خطاب الفخر  في شعر عنتره وإلى أي مدى مثل هذا النص  محاولة لتجذير الذات في محيطها القبلي وكيف كشف عن توقها المحموم إلى التفرد من خلال تصدير التجربة الذاتية كرافد اساسي للتجربة الفنية والى أي حد بدت الذات ذاتا منسجمة حينا متعالية أحيانا؟  نرتئي تقسيم النص إلى وحدتين معنويتين متكاملتين، قسم الفخر ويمتد من البيت الأول إلى البيت الثامن و قسم وجداني تغنى فيه بحبه العميق لابنة عمه  و يستغرق البيتين الأخيرين.  انفتح النص بجملة إنشائية عقد بها الشاعر علاقة خطاب مباشر مع ابنة عمه ومحبوبته عبلة مكنيا عنها "بابنة العبسي" في إشارة  إلى النسب الرفيع متجذرا بذلك في صميم العرف القبلي نازلا عند معاييره مسلما بنواميسه ولكنه مع ذلك تراه يهجر سنة شعرية فلا هو  وقف ولا استبكى ولا نسب و لا اشتكى نصبا و لا أضنى راحلة ولا وصف حدوج ظاعنة إنّما قصد إلى الفخر قصدا كأنه على عجلة من أمره مهموم بما هو أجل و أعظم  و هنا تتكشف علاقة عنترة بابنة عمه هشة مخاتلة تعرّي ما في نفسه من جنوح إلى التفرد فأفصح عن ذات وإن بدت لوهلة ذاتا مطيعة منسجمة مع محيطها فإنّها تخفي وراء جوانحها روحا متمردة متحدية .يدعو عنترة حبيبته أن تسأل الرمح و الصارم  عن بطولاته في ساحة النّزال"سلي" و هو لا ينتظر منها جوابا ولا ّإقرارا فحسبه أن الخيل و الرمح تعرفه. إذن فالنص عبارة عن دعوة للسؤال و الاستخبار والاستكشاف و هو  محاولة لردّ الاعتبار أو هو بحث عن اعتراف ضمني بالجدارة والأحقيّة جدارة يبدو أنها ما كانت لتكون لولا أن ضُرّجت جوانبها بالدم. إنه إثبات به يرد على المعارضين والخصوم والناكرين الجاحدين أولائك الذين رضوا له مرتبة العبيد فتاقت نفسه إلى منازل الأسياد. والنص بلغة المحاربين حربتان: حربة أخزى بها عدوا كاشحا وأخرى  أغرى بها حبيبة معرضة استمالة لقلبها وعقلها  أو ربما أحب أن يراها وهي  تعَض الكف "عِضّة نادم "  و المسألة مع ذلك موضوعة موضع البرهنة والاستدلال واحتيج معها لإثبات واحد رمى به "عبسا" والمقصد اعتراف له بالفروسية الحربية وآخر لامس به  القارئ والغاية اعتراف له بفحولة الشعر وريادة القوافي.  شمل الأسلوب السردي ذو الوظيفة الإخبارية  القسم الأكبر من النص، و قد استغرق  المقطع الأول بأكمله، وهو سرد واقعي خطّي يتبع فيه الراوي نسق المعركة ويحاكي أطوارها ومنعرجاتها. ويستذكر مشاهدها الدرامية بعين الموثق المؤرخ و من وحي معايش للحظة قائم عليها فاعتمد لذلك  الجمل الفعلية التقريرية و صيغة الفعل الماضي الذي يدل على تحقق الفعل وانقضائه في الزمان الماضي مع اليقين من تمام تحققه. فالفعل الماضي يكسب الحدث مصداقيته فلا مجال للتشكيك أو الريبة و قد صور بهذه الأفعال بداية الحرب ونهايتها واسترسلت الافعال متصدرة مطالع الأبيات  حتى كونت معا لحمة معنوية امتدت من البيت الأول إلى البيت الثامن ومن هذه الأفعال ماجاء على سبيل الاستعارة المكنية  كقوله "سقيتهما دماء العدى  " والضمير هنا عائد على الرمح والصارم وقد قدمهما رفعا من شأنهما ومنها ما جاء على سبيل المجاز المرسل كقوله "فرقت الجيش" ويقصد بعضه  وفي المعنى مبالغة مطلوبة في سياق الفخر بالفروسية و المقدرة الحربية ومنه أيضا ما ورد على سبيل الحقيقة و البداهة كقوله "قحمت الحرب" أي ولجتها وباشرتها. و إن المتأمّل في هذه الأفعال ليلحظ تدرجها وفق تسلسل  المعركة وارتفاع نسقها مواكبة بدايتها و  لحظة احتدامها إلى بلوغها الذروة حين " اشتد"  وطيسها  لتنغلق الملحمة على مشهد بطولي يجمع بين حدة الفعل وشراسته وبين نشوة الظفر  " غادرت ثاويا" وغادر دليل توقف المعركة  أما اسم الفاعل "ثاويا" فسرد أحوال و إعلان نصر و تشفّ من الخصم  بإظهار القدرة على هتك الآخر وهدم بنيانه. وثوى يثوي أقام بالمكان ونزل و ثوى أيضا هلك  والأرض مكان  المهزوم أمّا السماء فلا يبلغها إلاّ مجازف وهنا يستحضر صورة تقليدية لمنهزم ذليل  ترك فريسة للضواري وخُلّي بينه وبين مصيره المحتوم. هكذا فاخر عنترة بامتلاكه زمام المعركة و امتلاكه دور الفاعلية فيها وروى وقص و غالى ما أمكنه ذلك و كأن لم تكن للسرد من وظيفة إلا الإقناع وسحب الاعتراف.  أمّا الوصف فكان تحديا بين الشاعر وقارئ القصيدة وبه يخوض عنترة سبقا فريدا من نوعه معتركه الشعر و سلاحه القوافي إنه اختبار الشاعرية  يستدعي فيه الشاعر نصيبه  من طبع صقيل و لغة غزيرة و لفظ جزيل وخيال رحب وهنا تنهض الصورة الشعرية بمهمة إثبات النبوغ الشعري فيشحذ لها ما لديه من سنان الفصاحة والبيان فجاءت صورة الحرب مكتملة تمثيلية تراوح بين  التفصيل والإجمال. والناظر المتمعن في القصيدة ليقف عند محاور ثلاثة  نهضت عليها الصورة محارب و خصم  و  معركة. أمّا المحارب ففاعل قادر على الفعل وأما الخصم فمفعول به لا يسند إليه فعل وإنّما يتقبله إمعانا في الحط من شأنه( تنوشه تركت ثاويا..) و أما المعركة فيجزئها  جنبات جيش و خيل و رماح  و فرسان. أما الحلبة فمنغلقة على ما فيها كبيت موصد لا سبيل فيه  إلى نجاة ، جدرانه الجنبات وهي الميسرة والميمنة  و عرصاته الرماح  ووتده السماء و سقفه  برق الرعود و السيوف و أرضه بحر متلاطم الأمواج  وركابه فرسان المعركة  و ماكان لهذا البيت أن  ينفتح  إلا على مشهد الخصم  وهو طريح  ثاو معفّر بالدماء، تنوشه السباع كأنها حضرت لتوقع المشهد وتكتب للمنتصر صك الظفر. هكذا شرب الخصم موتا وشرب عنترة زهوا حتى روي كما تروى صاديات الإبل  وانتشى حتى شفي وزال عنه السقم. و التفصيل في ثنايا الوصف كامن  في سجلات الحرب بأسمائها فكنّى عنها بموج المنايا والمنية الموت والجمع  جمع تكسير  و دلالته التكثير و  أدواتها  القنا رماح وسيوف صوارم   و للحرب ألوانها ومنها ما يزيغ له البصر حمرة قانية تكاد تبصرها و أجواء ملبدة غائمة و السمع فيها يستدقّ فتكاد تسمع للحرب أصواتا  و دمدمة وحمحمة تعزز الصوت صيغة الفعل الرباعي المبنيّ على الترديد أصوات تجاوب لها الفضاء فرد الصدى بصليل السيوف و قرع الدروع فتجيب السماء برعودها ونذورها وتكتمل ضجة الحواس بتيقظ الجوارح مجتمعة فتستشعر الخوف طاغيا على المشهد فترى الخيل مذعورة خائفة. و تتكشف الصورة لدى عنترة صورة حسيّة واقعية تحاكي الحقيقة وتقترب منها ويتولد  الوصف من حومة الموت و بيئة الفلاة بوحوشها وضواريها وأراقمها بيئة سُميّة فاتكة يعسر ترويضها واستئناسها  الداخل فيها مفقود والخارج مولود والجلادة فيها غنيمة وفوز وربما لذلك سميت "مفازة". يستنزف الشعراء ما لديهم من بديع اللفظ و دقيق الوصف و طريف  الإحالة لوصف مشاهد الحروب ومن ذ لك وصف وطأتها  بالإحالة على خوف الخيل و تعثرها  أما الإيقاع فإيقاع المعركة ينشأ منذ اختار عنترة تفعيلات فعولن فاعلن لقصيدته وهي أقرب التشكيلات الصوتية محاكاة لوقع القنا و حركة الخيل خببا و  يبلغ ذروته مع احتدام الحرب فتستنفر اللغة بأوزانها لضخّ شحنة موسيقية من خلال  الفعل الرباعي دمدم وقد مثل  في تجانسه مع كلمة الدماء أيقونة للحرب و اشتراك الجذرين في حرفي الدال والميم كفيلان بكشف حقيقة المعركة دم و دمدمة و منها المداومة شرط كل انتصار  فلا فوز إلا لمداوم ومنها المدّ  والمدد و منها حروف محضت لسجل الحرب أو كادت منها القاف صوت شديد حلقي له عند النطق به وقع و قرقعة وقنا و قوائم وقشاعم  ومنها الصاد حرف صفيري مهموس شديد يصم الاذن حين يمتزج صليل السيوف بصهيل الخيل ومنها حرف الحاء حرقة و ألم رماح و رمح وحرب حمل و كلها إلى مجال الحرب  تعود. نبيهة عمر جربة تونس بتاريخ ١٥ ١٢ ٢٠٢٥ هكذا انبنت الذات الفخرية ذاتا محاربة فلا مجد إلا ما حسمه السيف والفتكة البكر أمّا غيرها من الشمائل فعرض.  و تزداد الصورة وضوحا حتى لكأنك تحمل السيف مع الكماة  فتثأر لغيابك عن المعركة بحضورك في متن  القصيدة وعبر الخيال ترى نفسك فارسا من فرسان الحلبة تشاهد  أهوالها وتسمع ضجيجها  صورة شعرية أعيى بها عنترة الشعراء وأفحمهم وناسب فيها بين انسيابية الحركة في تشبيه قوائم الخيل بالافاعي المتسللة وبين شدة الفعل و وحشة المشهد صورة الوحوش وهي تنهش لحوم الموتى وتستأنف ما تعطل من عمل مع انتهاء المعركة.  وهو مع كل ذلك لم يغادر متردّما فإلى معين البيئة الحاضنة تنتمي صوره  منها يستمد  مادته وهو العليم الخبير وهو الذي اختبر صروفها وركب مطيها وتمرس وعارها  أما التشبيه فلا إغراب فالموت بحر متلاطم و قوائم الخيل أفاع تسعى في اقتباس من  الطبيعة وما تمنحه من مألوف الدلالة فكأن "البحر" أشد ما رأى قوة و "الزواحف" أسرع ما شاهد وبذلك يظل خيال الجاهلي حبيس بيئته منها يصدر وإليها يورد مهما اجتهد و فارق. هدأت  حركة  المعركة  مخلفة حقيقة واحدة هي حقيقة الموت ومن أوقعه و تمثل النهاية لحظة خالدة بها بلغ انتقامه  بعد أن أدرك بسنانه ولسانه ما لم يدركه بنسبه  وحسبه أنه يمتطي "مهرة منسوبة" أمّا هو  فمجده مفتك مغنوم .  وبذلك ندرك مغالق القصيدة بعدما علمنا مفاتحها  فنقف على بيتين مغايرين  كأنهما قُدّا من طينة مغايرة بهما قطع بصرامة مع إيقاع الحرب وعقد الوصل مع إيقاع "الحب"  وما الحرب والحب في تجاورهما الصوتي إلا معارك تخاض بين نصر وهزيمة.  بيتان ممتقعان بعاطفة مشبوبة وتختفي فيهما حدّة الماساة  وإن لم يغب فيهما طعم  المرارة، مرارة  الضيم والإقصاء الذي اجترع منه عنترة طويلا. ولكنه يمضي غير عابئ وهو الذي شهد له الرمح والخيل بالمجد فينشد بحِلم الحكيم ورصانته وينبري الظلم والضيم بعضا من وجيعته وجزءا من محنته يجابههما عنترة بنفس كريمة سخية تجود بمشاعر الحب والولاء للعشيرة كأبهى ما يكون الولاء   تواضعا أمام هيبة المقام مقام "السراة الأكارم"وهو مقام رفيع يشمله ولكن  القوم ضنّوا به عليه  فآثر أن يمجٍد به حبيبته. وإنك لتقرأ الشعر الجاهلي فيضجرك تشابهه لفظا ومعنى حتى تطالعك التجربة الشخصية بما فيها من فرادة و حرارة فتتأنّى في أحكامك و تتكشّف لك  النفس البشرية نموذجا غير قابل للتكرار   فلكل نفس هواجسها ولكل تجربة دواعيها وداعيه الحب المحرم، تحرّمه أعراف القبيلة و نواهيها و  يحلله صدق العاطفة ونقاء السريرة. و تتجلى  تجربة عنترة الذاتية مطبوعة بطابع المعاناة وأولها رفض  قومه "بني عبس" لنسبه لأبيه و يتعاظم بجفاء من حبيبته المتعالية.  وللحب سحره فيطالعك عنترة المحب كأن لم يكن فى ساحة الحرب يفتك ويبطش و"يجهل فوق جهل الجاهلين"  فمن أين له بهذه الروح الحساسة المرهفة حتى تفيض صبابة .  ويشمخ به الحب فوق الضغائن فيعلنها صريحة بأنه يحبها  و يحب من أحبها ومن آواها و إن كان عدوا لدودا هكذا عنترة استوحش بالحرب وهذّبه الحب فجاء شعره مراوحة بين حِدّة المحارب ولين الحبيب المُشفق الذي عصفت به الحميّة الجاهلية وسما به الحب. مثّل شعر عنترة الفخري علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي لقدرته على تمثّل منظومة القيم القبلية الجاهلية في أجلى تجلياتها. وفي عقده الصلة بين وظيفة  الشعر كخطاب يدون للمشترك الجماعي ويخلده و بين حقيقة لا مماراة فيها أ لا وهي أنّ الأدب  تجربة ذاتية فريدة لا تشبه غيرها من التجارب تصدر عن الذات وإليها تعود. لقد أثبت عنترة بشعره بأنّ الإبداع لا يمكن إلا أن يكون سعيا نحو التفرد وكسر النمط و ومفارقة القوالب الفنية الجاهزة حتى وإن أخلص الجميع لها و حتى إن وضع لها النقاد "عواميد" و معاجم مواثيق  وأنّ الإبداع لا يمكن إلاّ أن  يصدر عن ذات تواقة إلى الحرية.   إنّ جمالية الشعر تكمن في قدرة الشاعر على تمثّل اللحظة الشعورية بكل ما تحمله من دفق شعوري بذلك يتجاوز الشعر رتابة النمط و جفاف الثوابت. بهذا صحّح عنترة موقفا متجنيا من الأدب الجاهلي و كشف أن الإبداع لا يخضع لحدود المكان والزمان بل يكمن في نصرة الذات حين تتطلّع للانعتاق و التحرر.
تمت القراءة 18 مرة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!